المرأة الموسيقية العربية ودورها في حوار الحضارات
  • default color
  • blue color
  • orange color
  • green color
CPanel

المبدعات العربيات

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

مساحة إشهارية

 

 

الرئيسية مداخلات المرأة الموسيقية العربية ودورها في حوار الحضارات

المرأة الموسيقية العربية ودورها في حوار الحضارات

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF
المرأة الموسيقية العربية ودورها في حوار الحضارات
سحر طه
مداخلة مقدمة في "ملتقى المبدعات العربيات"
 تونس نيسان 2009

يشهد المسرح الدولي منذ سنوات نشاطات غزيرة تهدف الى تعزيز "حوار الحضارات"، وبأشكال متعددة ووسائلمتنوعة يراد بها إرساء اسس التفاهم بين شعوب العالم. ورغم ان هذه النشاطات تصب في مصلحة الحوار وإيجابيته وهي مطلوبة وضرورية لردم الفجوات هنا وهناك، ورغم ازدياد الحراك الايجابي وتعدد اساليبه، لكنه فيما يبدو، ما يزال أضعف تأثيراً من الحراك السلبي.
فنشاطات العنف تتنامى بأشكال مختلفة ومتعددة، سواء عبر حروب اهلية او احتلال دول لأخرى بالسلاح المتطور الفتاك، وحركات تطرف، وهيمنة قوى كبرى على دول ضعيفة، وغيرها من سلبيات تهدم اسس الحوار، وتنسف محاولات التقارب والتفاهم، وتباعد اكثر بين الشعوب.
 من هنا نجد ان التباعد ما يزال كبيراً بين بعض المناطق وحتى بين بعض الدول المتجاورة، بل وكأن فجوات جديدة تستحدث بين الفينة والاخرى هنا وهناك، والفجوات القديمة تتسع أكثر مما كانت عليه من قبل.
ولكن يبقى لدينا الامل، بان ازدياد المؤتمرات واللقاءات، خاصة بين الشرق والغرب، لا بد ان يدفع الاجيال المقبلة إلى التحرك الإيجابي، والتعبير بوضوح عن الاراء، والوقوف بوجه الحراك السلبي، وتقبل الاختلاف مع الآخر، والدفع باتجاه تفادي الحروب والصدامات وتغليب لغة الحوار الهادئ على اي لغة اخرى.
وهنا اقول وبكل ثقة، ليس من لغة حوار أفعل واكثر تاثيراً كما هي لغة الموسيقى.
فالحوار الموسيقى لعب على مدى الازمان وما يزال يلعب دوراً كبيراً في تقارب الشعوب، ربما لم تتمكن وسيلة أخرى من لعبه، بل قد يكون لها الدور الابرز والأفعل في إيصال هوية شعب ومبادئه إلى الآخر، الذي يحاول فهم ما وراء هذه الموسيقى من ثقافة وفكر وتاريخ وعادات وتقاليد وحضارة تدفعه إلى احترام اصحابها، وبالتالي تكون الموسيقى أساساً لحوار بناء مفعم برغبة التعرف والمعرفة، ويمكن أن تزرع في النفوس الامان والاطمئان تجاه الاخر، وتكوين أفكار إيجابية عنه.
الموسيقى تزيد من رغبة الانسان في التفاهم، وتؤدي الى تفاعل ايجابي، لا سلبي، حتى في حال لم تنل الموسيقى القبول لدى الاخر فأقصى ما يمكن ان يفعله هو ان يدير لها ظهره او يغلق أذنيه، عكس الوسائل الاخرى التي قد تؤدي الى ردود فعل سلبية اكثر حدة فيما لو لم يتم التفاهم، لكن مستمع الموسيقى في حال اعجب بها قد تغير الكثير من افكاره المسبقة والسلبية، وبالتالي قد يتغير اسلوب التعامل الى الايجابية تجاه صاحب هذه الموسيقى.
 ونعلم ان لكل شعب موسيقى تنبض بما تحمله من خصوصيات وتراكمات عبر تاريخه وتبعاً لحضارته، وهي لا بد تثير لدى المتلقي (الآخر) تساؤلات حول تاريخ هذه الموسيقى وكيفية تبلورها وتطورها الى ما وصلت اليه، وارتباطها بديهياً بكل ما يتعلق بحياة الناس، وما هي نقاط تشابهها، او اختلافها عن الموسيقات الاخرى. من هنا لذة معرفة المختلف، واثره البالغ في عمق النفس البشرية، وقد تحرض (الاخر) على تجربة هذا المختلف واختباره، (كما حدث في تجربة الجاز الشرقي عند زياد الرحباني وتأثيره على جيل كامل في التاليف لهذه الموسيقى في الشرق العربي) ذلك ان الموسيقى تتصل مباشرة بالوجدان والمشاعر بلا وسيط وبلا حاجة لمترجم أو لطرق نقاش وجدال أو محاولات إقناع.
للموسيقى وجه واحد لا وجهان، ولغة واحدة لا لغتان، وإن اختلفت وجوهها ولغة مؤديها، لكن يفهمها الإنسان على طريقته الخاصة أينما وجد على وجه الأرض.
والأدلة كثيرة، لكن ابسطها: ما تجمعه من جمهور، حفلة موسيقية واحدة لمغني او موسيقي آت من ثقافة أخرى، مقابل ما يجمعه اي نشاط  آخر. بعض الحفلات يمكن ان تجمع مئات ألوف الاشخاص واكثر، وهذا عدد، اكبر بكثير مما تجمعه ربما عشرة مؤتمرات معاً، في اي مجال اخر، بل إن اسطوانة موسيقية ما، قد تباع بالملايين وتصل اقصى بقاع الارض، وهذا لا ينطبق على اي نشاط آخر، ناهيك عن نتائج انتشار الاغاني او الموسيقات في العالم فهي قد تغير اساليب حياة الشباب وتغير افكار، وثقافات، بما تحمله في مضامينها من حض وتحريض (على السلبية والايجابية على حد سواء)، واكبر مثال على ذلك عندما منعت سلطات الاحتلال الاسرائيلية في الستينيات حفلة كان مقرر ان يحييها فريق البيلتز البريطاني الشهير في فلسطين، وسبب منعها ما عرف عن هذا الفريق تأثيره البالغ في فكر الشباب ومفاهيمهم وسلوكهم في اوروبا والعالم، في تلك الفترة وكانت حفلاته تشهد الآلاف اينما غنى، لذلك تخوفت السلطة المحتلة العنصرية من نتائج هذا الحفل على مجتمع تحت ظل الاحتلال.
وليست مفارقة غريبة ان يوجه سفير اسرائيل في لندن قبل اشهر رسالة اعتذار، باسم دولته إلى بول مكارتني، الموسيقي الوحيد الباقي من فريق "البيتلز" يأسف فيها على موقف بلاده قبل اكثر من اربعين سنة، من هذا الفريق ثم دعت مكارتني لإقامة حفل في الدولة التي صار اسمها (اسرائيل).
اما في لبنان، الذي اعيش التجارب فيه، منذ ثلاثين عاماً، كناقدة موسيقية ومحررة في صحف لبنانية، فأنا التقي بالعديد من الموسيقيين الغربيين، ياتون لإحياء حفلات ولديهم افكار مسبقة عن الشرق عموماً، وغالباً سلبية. يأتون مثقلين بالمخاوف ومحمّلين بالمحاذير، لكن ما تلبث ان تحل الايجابية محل السلبية وتتغير النظرة بعد ايام من الاختلاط بالاهالي والتعرف الى عاداتهم وتقاليدهم، وغالباً يعودون إلى بلادهم حاملين تجربة ناجحة، ايجابية، كانت جديرة بالمحاولة او المجازفة، ينقلونها إلى صحافة بلادهم، إلى اهلهم واصدقائهم ثم محيطهم في المجتمع وهكذا تكبر دائرة التغيير وتتوسع النظرة الايجابية.
في لبنان هناك منظمين للحفلات يؤمنون بأن الموسيقى يمكن أن تغير نظرة الغرب وخاصة أميركا عن العرب. خاصة وليد عكر منظم حفلات الجاز،وخالد نزهة صاحب "مقهى بلونوت" البيروتي الذي يقدم فقط عازفي الجاز، فيدعون عازفين او مؤلفي ومغني الجاز شهرياً من أميركا، ولمدة اسبوعين. كان الموسيقي الأميركي يقضي معظم النهارات متجولاً في لبنان الصغير من شماله الى جنوبه ومن جباله الى سهوله وشواطئه، يلتقي الناس ويلمس لديهم حرارة ونرحيباً وكرماً فيعشق العادات والطبيعة والطعام وغير ذلك، وفي المساءات يندهش من اقبال الجمهورعلى موسيقى الجاز ومعرفتهم وثقافتهم الموسيقية ونقاشاتهم وكثيراً ما يشرك موسيقيين محليين الى جانبه، فيعود إلى بلده منبهراً مغرماً بلبنان، بعد ان كان متردداً في الحضور إليه ونذكر ان بعضهم عاد مرات الى لبنان حتى في سنوات عدم الاستقرار والحروب المتقطعة.
اذن لا يسعنا سرد ايجابيات هذه التبادلات الموسيقية كلها، وحسناتها وضروراتها، لكننا في هذا المجال لا بد ان نطرح تساؤلات هامة:
 أين المرأة الموسيقية من هذا الحوار بين الحضارات؟ كيف هو حضورها في العالم نسبة الى حضور الرجل الموسيقي؟ هل تجد الدعم والتشيجع للمشاركة في هذا الحراك الثقافي الموسيقي، ام ان للرجل الاولوية في تمثيل بلدها في الخارج؟ اي نوع من الموسيقات النسوية هي الاكثر دعماً ونشراً محلياً وعالمياً؟ ولماذا عقدة ان إبراز مغنياتنا شبيهات بمغنيات الغرب، وهل هذا حقاً ما يرغب الغرب في مشاهدته وسماعه من مغنياتنا العربيات؟؟ من المسؤول عن تقديم النتاج الموسيقي النسوي بهذا الشكل الى الخارج؟ هل هي مؤسسات الدولة أم شركات الإنتاج الخاصة ام الجهتان معاً؟ ومن اجل الحوار والتواصل هل علينا نحن الموسيقيات ان نقلد فنون الغرب لنرتفع الى مستواهم أو لكي يفهوننا؟ ولماذا لا يفكر الغرب في تقليدنا لكي يحاورونا؟ او لكي يفهوننا ونفهمهم؟ ماذا يقع وعلى من مسؤولية تخبط الفن والفنانين، وهذا الخلط الحاصل في تقديم الموسيقي العربية؟ وكذلك من يدعم الفن النسوي الجاد والهادف بعيداً عن الغناء الاستهلاكي؟ ومن المسؤول عن انحسار الموسيقيات الاكاديميات نسبة إلى ازدياد اعداد مغنيات"البوب" السائد؟
كل هذه وغيرها من الاسئلة هي برسم مؤسساتنا الرسمية اولاً ومن ثم برسم شركات الانتاج الموسيقي الخاصة.
شئنا أم أبينا، لا ننكر أننا نعيش في زمن صناعة الفن، والاتجار به. من هنا تغيرت المفاهيم المتعلقة بالموسيقى واختلفت المبادئ، والأولويات، حيث باتت للصورة والمشهد الاولوية على حساب الاداء والشغل الموسيقي، وصار ما نصدره للغرب من فن بعيد كل البعد عن هويتنا الموسيقية وجماليات فن المقام والسلالم المشرقية وطبيعة الاداء العربي بانماطه التقليدية والشعبية وخصوصية كل منها في مناطقنا العربية، اذ نلمس من الغرب تعطشاً لسماعها والتعرف إليها لما تحمله من اختلاف عما يملكه في موسيقاه.
 وما يزال كثير من الفنانات الاكاديميات في مجال الموسيقى الشرقية المتقنة او لنقل المتعلقة بهويتنا المشرقية وأصالتها، وأنا واحدة منهن، لم نأخذ دورنا الحقيقي في المشاركة في هذا الحوار بين الحضارات، رغم تزايد اعداد المبدعات في حقول الموسيقى المختلفة من غناء متقن اصيل وتأليف موسيقي وعزف على آلات شرقية، وإحياء تراث بلادنا العربية، إلا أن الفرص العالمية المتاحة لهن لا تزال غير متكافئة ضمن الحراك العالمي قياساً بالفرص التي تتاح للفنانين الرجال بشكل عام، وللفن الاستهلاكي بشكل خاص، مع تفاوت الأمر بين بلد وآخر في وطننا العربي تبعاً للايمان بقدرات المرأة وطاقاتها في كل بلد.
وبعض منظماتنا  العربية الخاصة، إن لم نقل غالبيتها او المؤسسات التابعة للدولة، ما تزال تفضل في الغالب انتداب الرجل الموسيقي ليمثلها في المحافل او المهرجانات التبادلية، اكثر مما تفضل انتداب المرأة الموسيقية، الا فيما ندر، او بعض الاستثناءات. (وهنا اعود وأشدد على اختلاف الامر بين بلد وآخر في الوطن العربي).
 كما نجد ان معظم شركات الانتاج العربية تروج لفن المرأة في إطار الغناء الاستهلاكي، او ما يسمى "البوب" اي "الشعبي" وهي تسمية ظالمة، لان اكثر ما يقدم اليوم لا علاقة له بالفن الشعبي بل بالفن التجاري، والاغنيات المصورة، التي تحاكي الغرائز، ويتم في المقابل اهمال فنانة أخرى، تطرح مضامين بعيدة عن لهاث الجسد والإيحاءات الجنسية، بل فن تقليدي، اجتماعي او قضايا هامة للمجتمع، او فن يشحذ الفكر ويحثه على البحث والتميز.
وباتت حتى مؤسسات الدولة او التابعة لها من ميديا وإعلام تنافس تلك الخاصة في تقديم الاستهلاك والبحث عما يدعمها مالياً من دعايات وإعلانات فتهمل الفنانة التي تسلك الطريق الفني الجاد بأشكاله المختلفة سواء الشعبي الاصيل، النابع من البيئة او الفن المتقن الكلاسيكي او الفن الموسيقي كعزف منفرد على آلة شرقية (كما حال بعض الموسيقيين الرجال)، او كمؤلفة موسيقية. وبات ينظرإليها في الاوساط الإعلامية كفنانة (تقليدية) بالمعنى السلبي، (ديموديه) كما يصفونها، اوغير مسلية، متخلفة عن التقنيات الحديثة، وما إلى ذلك من اوصاف، ونتيجة لهذا الاهمال تجد الكثير من هؤلاء الفنانات الملتزمات انفسهن منفيات، مبعدات وغير مرغوب بهن في هذا العصر( الالكتروني والإيقاعي والجسدي) ما يدفعهن الى حلين أحلاهما مرّ: اما ركوب الموجه أو الإنزواء والانعزال.
ولدينا امثلة كثيرة على موسيقيات قديرات لم يتحملن الاهمال فاضطررن إلى ركوب موجة الاستهلاك لنيل الشهرة والمال على حساب المبادئ والفن التقليدي الجاد. لكنها في الوقت نفسه فقدت تميزها وباتت رقماً في ادراج الشركة او رفوفها، ولن تكون بالتالي ممثلة او نموذجاً لهويتنا الموسيقية الاصيلة، إلا في بعض الاستثناءات القليلة.
وأما أن تختار الحل الاخر، تنطوي على نفسها لعدم قدرتها على الترويج لاعمالها بنفسها، في الوقت الذي تبذل شركات الانتاج اموالاً هائلة على بعض ممن يطلق عليهن صفة مغنيات، وتنتج لهن اسطوانات وفيديو كليبات، في حين لا تجد فنانة اكاديمية مع موهبة قديرة، تقدر الفن الاصيل، ودرست سنوات وتخصصت علمياً، لا تجد شركة تطبع عملها وتنشره في العالم.
لذلك تصاب بخيبة أمل بعد جهود فردية  طويلة ضائعة، وعدم وجود جهة تشجعها وتقدر انتاجها عبر نشره سواء باسطوانات او بحفلات وتعريف الملأ على نتاجها، ويأتي بعد ذلك خوفها من الأسوأ، وهو ان يفوتها القطار من دون تأسيس عائلة، وتلاحقها غريزة الامومة، فتجبرها هذه الضغوط للتخلي عن حلم النجاح الموسيقي، لتتجه الى حلم النجاح الأسري، على الأقل، ولدي تجارب في لبنان مع العديد من العازفات على الالات الشرقية في فرقتي الموسيقية ممن تخلين عن تميزهن الموسيقي لهذه الاسباب.
 وفي حالات قليلة تستطيع المبدعة ان تصمد امام الاهمال وتثق بفنها وقدراتها، فتسير وحدها، تقتلع الاشواك بيديها، وتنحت في الصخر من اجل وصولها الى نشر فن بلدها إلى الملأ، وفي المحافل الدولية ولكي يصبح اسمها مشرقاً ومشرفاً لبلادها، وربما بعد اهتمام الغرب بها، سوف تتنبه دولتها او العالم العربي الى موهبتها فيتم استدعاؤها من هناك لتقدم لنا فنها.
وطبعاً هناك نماذج معدودة من الموسيقيات اللواتي نفخر بفنهن وجهودهن الفردية وتمثيلهن بلادنا بشكل مشرف.
من هنا نطالب مؤسسات الدولة المولجة بالاهتمام بإبداع المرأة الموسيقي، ضمن وزارات الثقافة مثلاً، وكذلك مؤسسات الانتاج الموسيقي الخاصة، ان تنظر بعين التقدير لدور المرأة الموسيقية في بناء أواصر الثقة والتبادل الموسيقي، بين فنوننا وفنون الآخرين ودعماً لحوار حضاري متكافئ بحضور اكبر للمؤلفة الموسيقية والملحنة والعازفة والمغنية الجادة، أن يجد عملها الدعم وتشجيع موسيقاها ومساعدتها في الانتاج وتسجيل اسطوانات واقامة حفلات وأشراكها في المهرجانات الدولية، لا تلك التجارية فقط، إنما تلك التي تهتم بتبادل المعرفة والثقافة الموسيقية بكل انواعها وتقديم انماط الموسيقى العديدة التي تكاد تندثر ويطويها النسيان او التناسي، فنناشد مؤسسات الدولة اولاً في عالمنا العربي، تشجيع الفن النسوي الجاد والمبني على اسس عربية متينة، ليواجه الفن السطحي المبتذل، والبحث عن المبدعة الحقيقية في مجالات الموسيقى الجيدة، لدعم انتاجها ومساعدتها على نشره كي تكون القدوة التي تمثل بلادنا، ولكي تقدم هويتنا وخصوصيتنا لا هوية غيرنا.
ونناشد اصحاب شركات الانتاج الموسيقي، العودة إلى ضميرهم قليلاً، لا إلى أوراق حساباتهم المالية، كي يفسحوا المجال ويفتحوا ابواب شركاتهم لكل موسيقية لديها مشروع موسيقي ثقافي يحمل الجديد، لكن من صلب موسيقانا وعمق جذورها، وإنتاجه والترويج له في الداخل والخارج. اقول في الداخل لكي نتدارك الخطر الداهم الذي يعيشه شبابنا وموسيقانا معاً، في ظل فوضى الانتاج الموسيقي الذي أفقدهم التوازن ومعرفة ما هو منهم وما هو غريب عنهم. وترويج الجيد من الاعمال في الخارج لكي نقول لهم: نحن لا نقلدكم، إننا نملك موسيقى خاصة بنا، نرغب ان تسمعوها، نقدمها لكم ونتحاور معكم من خلالها.
وهنا سوف اسرد لكم ثلاث من تجاربي في لقاءاتي مع الغرب، عبر الموسيقى فقط لأقول ماذا تعلمت منها:
قال لي: (( لم أكن أعلم أن قصائدي جميلة هكذا؟؟؟ او إنها يمكن أن تغنى؟ ولم أتوقع أن أسمعها مغناة باللغة العربية وبهذا الحس الشجي... ما سمعته كان شيئاً رائعاً يفوق الوصف...))هل تعلمون من هو؟؟
إنه الأديب الألماني المعروف غونترغراس، بادرني هكذا بعد أن انتهيت من غناء قصائده العشر، بحضوره و وفد الماني وأوروبي وعربي كبير من صحفيين وإعلاميين، واكب زيارته الأولى إلى اليمن عام 2002.
فغونترغراس، حائز جائزة نوبل للآداب عام 1999، لكنه بتواضع الكبار حدثني هكذا بعد الغناء، وكنت قبالته حيث جلس والحضور في صالة فسيحة بأحد بيوت اليمن العتيقة والذي تم جعله أشبه بمتحف صغير، عزفت على عودي وغنيت، وشاركتني عازفة الناي القصبي، الألمانية المستشرقة الدكتورة كلاوديا أوت، وألقت كلمات القصيدة بالنص الألماني وبهذه الطريقة جلعنا الألماني والعربي معاً يتلقيان ما نغني، وكانت اوت تنفخ في القصب من عصارة قلبها، وحين سألتها عن سر هذه القدرة في التعبير من خلال التقاسيم التي هي اسلوب شرقي بحت، قالت انها تعلمت على يد عازف مصري، ومن ثم جعلتها الآلة تغرم بكل ما هو شرقي. ثم قامت بترجمة "الف ليلة وليلة" الى الألمانية صدرت في مجلدات قبل سنوات، وكانت تتحدث بلغة عربية فصحى صحيحة أفضل من كثيرين منا نحن العرب.
وفي اليمن أقمت ثلاث أمسيات، كنت أحرص كما في كل حفلاتي، على ارتداء العباءة البدوية الصوفية المسماة "غزل" المعروفة في البوادي (صحاري) العربية، وفي نهاية اللقاءات أهديت كلاوديا إحدى هذه العباءات تقديراً مني للروح الشرقية التي تحملها في حناياها، وهي ما تزال ترتديها في حفلاتها في الغرب كما ترسل لي عبر الايميل. أما الشاعر القدير "غونترغراس"، فقد أهديته عباءة صوفية ايضاً واخبرته إنها صناعة يدوية من العراق، ابتسم كطفل، مع دهشة، وقال: "..إن كان حقاً ما تقولين فإنها أروع هدية تلقيتها في حياتي.. ولن اتخلى عنها.." شكرني ولبسها وصار كمن وجد كنزاً يتمشى بها ويتأملها ويختبر ملمسها الصوفي الخشن، كأن يسأل كيف غزلوها بأيديهم، وبقي يرتديها طوال ايام الرحلة...
وبعد الامسيات اصر "معهد غوته أنترناسيونال" ان اسجل الاسطوانة (القصائد العشر) قبل مغادرتي اليمن كي تكون وثيقة يوزعها المعهد في كل فروعه المنتشرة في العالم ولكي تكون مثالاً على حوار الحضارات.
اما تجربتي الاخرى فكانت في روما العام المنصرم، اذ دعتني "مؤسسة أدكنز كيتي" الإيطالية المتخصصة في موسيقى المرأة لاحياء ثلاث حفلات في روما، واحدة في مدرسة ثانوية والثانية في كلية الموسيقى، لتعريف الطلاب على فنون الشرق الاوسط وآلاته الموسيقية، والثالثة في وزارة الثقافة في روما تكريماً لزيارة كوتشيرو ماتسورا المدير العام لمنظمة الاونيسكو التابعة للامم المتحدة، وفي الحفلات الثلاث شاركني كل من عازفة القانون الإيرانية مليحة سعيدي وعازف اللوت الايطالي ماسيمو ماركيز، كان كل منا يقدم موسيقى منطقته، ونختتم بمعزوفة مشتركة اخيراً. وتخيلوا هذا الخليط (عراق_لبنان، ايران، ايطاليا).
في الثانوية والكلية أثار الطلاب العديد من الاسئلة وبخاصة الفضول حول الالات ونمط الغناء ومعاني الكلمات، وكانت المعلومات بمثابة دروس اجرو فيها اختبارات فيما بعد.
وكان تعليق ماتسورا والحضور بأن هذا التنوع مبدع في ليلة واحدة، ضم آلات موسيقية قريبة في الروحية (اللوت الاوروبي برفقة جده العود العربي والقانون ابو الالات) وما هذا الا دليل تثاقف وحضارات نهلت من بعضها وبأن الموسيقى الجميلة تتحدث لغة واحة هي لغة الإنسان اينما كان.
و في صميم حوار الثقافات، كانت مشاركتي في مهرجان "كرمس" في النمسا، إلى جانب العديد من الفرق اتت من انحاء العالم، ولم يكن بين الجمهور من العرب سوى قلة يعدون على اصابع اليد الواحدة، وفوجئت بعد ان غنيت وعزفت على العود بدوي التصفيق العالي والطويل، ومن ثم كان بعض الاجانب يأتي إلي محاولاً معرفة ماذا غنيت، مع موسيقى شجية كما قالوا، ففسرت لهم كلمات الأغنية وكانت عن بغداد، عاصمة العراق بلدي الذي ودعته بعد ان ولدت فيه وعشت شبابي.
ناهيك عن الاهتمام البالغ الذي أبداه النمساويون في مختلف اتجاهاتهم علمية وفنية وادبية، في المحاضرة التي ألقيتها عن "المقام العراقي" في جامعة الدانوب، في النمسا، مع تقديم حي لبعض النماذج المقامية.
ولست بحاجة الى القول إن مداولات عدة تلت هذه اللقاءات وأبحاثاً، ومحاضرات ناهيك عن صداقات نشأت بعد كل رحلة ومراسلات بيني وبين صحفيين والفنانين الذين تشاركت وإياهم.
هذه التجارب في الصحافة والموسيقى، لسنوات علمتني الكثير، اولاً إننا نستطيع التواصل مع الآخر من خلال موسيقانا، لا بتقليد موسيقاهم او طرقهم، واكتشفت ان الغرب يهتم بنتاجات المرأة العربية الموسيقية وخاصة التقليدية، اكثر من اهتمامنا نحن بها، بحثاً وتقديماً وابرازاً وتقديراً، وهذا يسهم في تغيير نظرة البعض السلبية إلى طريقة عيش المرأة في العالم العربي والاسلامي بالذات، ليجدوا أحياناً نتاجات مبهرة وغير متوقعة.
ثم ازداد فخري بهويتي الموسيقى العربية، عكس ما يحدث مع الكثير من فناناتنا الشابات اليوم واللواتي يقلدن الغرب ويتخلين عن تراثنا وكأنه سبّة ووصمة، فالأجدى ان نحاول تقديمها بخصوصياتها  الجميلة ونطورها من داخلها، ان نلبسها ثوبها الشرقي الاصيل لا ان نلبسها ثوب الغرب فيبدو فضفاضاً أو غير لائق، كمن يخفي لون عينيه الحقيقي بوضع عدسات لاصقة زرقاء، مثلاً، وبالتالي فان احترامي لموسيقاي يعني احترامي لذاتي وهذا يفرض احترام الاخرين لي ولموسيقى بلادي ويؤدي الى احترامهم عاداتي وتقاليدي وافكاري ولباسي ومعتقدي وديني وكل ما يتعلق بهويتي وبي كإنسانة مثلهم مع بعض الاختلافات.
تم التحديث فى ( الأربعاء, 18 أبريل 2012 08:25 )  

رأيك يهمنا

ما رأيك في الموقع ؟
 
{jatabs type="modules" animType="animMoveHor" style="trona" position="top" widthTabs="120" heightTabs="31" width="100%" height="auto" mouseType="click" duration="1000" module="ja-tabs" }{/jatabs}

القائمة الرئيسية

موضوع الدورة 17 لسنة 2013

تكنولوجيات الاتصال(NTIC)

 وأثرها في إبداع المرأة العربية

أيّام 18 و 19 و 20  أفريل  2013